ابن كثير
52
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وقد صح عنه صلّى اللّه عليه وسلّم الأمر بعموم غسل القدمين في الوضوء بالماء بالنقل المستفيض القاطع عذر من انتهى إليه وبلغه ، ولما كان القرآن آمرا بغسل الرجلين كما في قراءة النصب ، وكما هو الواجب في حمل قراءة الخفض عليه ، توهم بعض السلف أن هذه الآية ناسخة لرخصة المسح على الخفين ، وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب ، ولكن لم يصح إسناده ، ثم الثابت عنه خلافه ، وليس كما زعموه ، فإنه قد ثبت أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مسح على الخفين بعد نزول هذه الآية الكريمة . وقال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا زياد بن عبد اللّه بن علاثة عن عبد الكريم بن مالك الجزري ، عن مجاهد ، عن جرير بن عبد اللّه البجلي قال : أنا أسلمت بعد نزول المائدة ، وأنا رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يمسح بعد ما أسلمت ، تفرد به أحمد . وفي الصحيحين من حديث الأعمش عن إبراهيم ، عن همام قال : بال جرير ثم توضأ ومسح على خفيه ، فقيل : تفعل هذا ؟ فقال : نعم ، رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بال ثم توضأ ومسح على خفيه ، قال الأعمش : قال إبراهيم : فكان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة ، لفظ مسلم « 2 » . وقد ثبت بالتواتر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مشروعية المسح على الخفين قولا منه وفعلا ، كما هو مقرر في كتاب الأحكام الكبير مع ما يحتاج إلى ذكره هناك من تأقيت المسح أو عدمه ، أو التفصيل فيه ، كما هو مبسوط في موضعه . وقد خالفت الروافض في ذلك بلا مستند بل بجهل وضلال ، مع أنه ثابت في صحيح مسلم من رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، كما ثبت في الصحيحين عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم النهي عن نكاح المتعة وهم يستبيحونها ، وكذلك هذه الآية الكريمة دالة على وجوب غسل الرجلين مع ما ثبت بالتواتر من فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على وفق ما دلت هذه الآية الكريمة ، وهم مخالفون لذلك كله وليس لهم دليل صحيح في نفس الأمر ، وللّه الحمد ، وهكذا خالفوا الأئمة والسلف في الكعبين اللذين في القدمين فعندهم أنهما في ظهر القدم فعندهم في كل رجل كعب ، وعند الجمهور أن الكعبين هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم . قال الربيع : قال الشافعي : لم أعلم مخالفا في أن الكعبين اللذين ذكرهما اللّه في كتابه في الوضوء هما الناتئان ، وهما مجمع مفصل الساق والقدم ، هذا لفظه ، فعند الأئمة رحمهم اللّه : في كل قدم كعبان ، كما هو المعروف عند الناس ، وكما دلت عليه السنة ، ففي الصحيحين من طريق حمران عن عثمان أنه توضأ فغسل رجله اليمنى إلى الكعبين ، واليسرى مثل ذلك . وروى البخاري « 3 » تعليقا مجزوما به وأبو داود « 4 » وابن خزيمة في صحيحه من رواية أبي
--> ( 1 ) مسند أحمد 1 / 363 . ( 2 ) صحيح مسلم ( طهارة حديث 72 ) ( 3 ) صحيح البخاري ( أذان باب 71 ) ( 4 ) سنن أبي داود ( صلاة باب 93 )